مقال رد “أين الطير الأبابيل؟” بين فهم النص، وفهم التاريخ

- بقلم / عادل شلبي
- ردًا على طرح يوسف زيدان والكاتبة أسماء محمود
١. خلط المقام: حادثة الفيل ليست “صك حماية أبدي للكعبة من كل مسلم”
الخطأ الأول في السؤال هو نقل “قاعدة” لم يقل بها النص نفسه.
حادثة الفيل في سورة الفيل كانت محددة بزمان ومكان وسبب:
جيش أبرهة الحبشي = جيش معتدٍ من خارج ملة إبراهيم، جاء لهدم أول بيت وُضع للناس، ليصرف العرب إلى كنيسته في صنعاء.
هنا تدخلت “القدرة” إبطالًا لمخطط استئصالي ضد أصل التوحيد قبل مبعث النبي ﷺ.
أما ما بعد ذلك، فالنص القرآني والسنة لم تذكر أن الكعبة أصبحت “محمية أوتوماتيكيًا” من أي يد تمتد إليها، مسلمة كانت أو كافرة. بل العكس.
النبي ﷺ نفسه قال: “يهدم الكعبة ذو السويقتين من الحبشة” رواه البخاري.
يعني الهدم آخر الزمان مذكور نصًا. فأين المفارقة إذن؟
٢. الابتلاء سنة الله في بيته، كما في أنبيائه
من فهم أن “قداسة المكان” تعني “حصانة مادية” من الدم والحريق والهدم، فقد فهم الدين بالمقلوب.
مكة نفسها تعرضت للجوع والحصار في شِعب أبي طالب، والنبي ﷺ قُذف بالحجارة في الطائف، والمسجد الأقصى احتُل مرارًا.
القداسة لا تلغي قانون الابتلاء والتمحيص.
القرامطة، ويزيد، والحجاج… كلهم دخلوا تحت باب واحد: “الله يبتلي عباده بعضهم ببعض” .
فجرائم مسلم باسم الإسلام لا تبطل أصل الإسلام، كما أن جريمة ابن نوح لا تبطل نبوة نوح.
٣. سؤال أبي طاهر القرمطي: سؤال مستكبر، لا سؤال باحث
أبو طاهر لم يسأل ليُفهم. هو قالها بعد أن “قتل الحجاج، وخلع باب الكعبة، ورمى جث القتلى في بئر زمزم، وقال كلمته الكفرية: أنا بالله وبالله أنا”.
هذا ليس استفهامًا فلسفيًا. هذا استهزاء فرعوني: “أرني الله جهرة” بعد أن سفك الدم في حرم الله.
وسنة الله مع المستهزئين ليست دائمًا “حجارة من سجيل” في نفس اللحظة. أحيانًا الإمهال نفسه استدراج: {ونملي لهم إن كيدي متين} .
القرامطة أنفسهم زالوا. دولتهم انهارت، ومزقهم الله كل ممزق، ولم تقم لهم قائمة بعد سرقة الحجر. فهل كانت “الطير الأبابيل” الوحيدة هي التي تهلك، أم أن للهلاك صورًا؟
٤. لماذا لم تتكرر معجزة الفيل مع الحجاج ويزيد؟
لأن “السبب” مختلف تمامًا.
١. مع أبرهة : كان الصراع بين التوحيد والوثنية الصريحة. بين بيت الله وكنيسة بديلة. فكان التدخل مباشرًا.
٢. مع الحجاج وابن الزبير : كان الصراع صراع سلطة بين مسلمين. فتنة. والله ترك سنن الكون والسياسة تعمل. المنجنيق حكم، والدم حكم، والنصر والهزيمة حكم.
لو نزلت الملائكة كلما اقتتل المسلمون، لانتفى معنى التكليف والابتلاء والاختيار.
الكعبة ليست “صنمًا سحريًا” يُدافع عن نفسه. هي قبلة، ورمز، وبيت لله. وحُرمتها تكليف على البشر أن يصونوها، لا تكليف على السماء أن تحرسها من كل يد آثمة.
الخلاصة
سؤال “أين الطير الأبابيل؟” سؤال مشروع إذا جاء من باحث يريد فهم الفرق بين المعجزة الخاصة والسنن العامة.
لكنه يصبح مغالطة عندما يُستخدم لتقرير أن “ما حدث للكعبة ينقض حادثة الفيل”.
الحقيقة أبسط:
الله حمى بيته من أبرهة لأنه أراد ذلك في ذلك الزمن، لحكمة اقتضت بقاء البيت ليُبعث منه النبي الخاتم.
وترك بيته يُبتلى بأيدي المسلمين بعده، لأن زمن المعجزات الحسية العلنية انتهى، وبدأ زمن التكليف والحساب.
فالطير الأبابيل جاءت في وقتها.
وسكوت السماء عن القرمطي والحجاج كان أيضًا بقدر… والحساب لم ينتهِ بعد.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.









